أشباه الحدادية.. يقولون:
لا يؤخذ العلم إلا عن كبار العلماء..
أو عن أشرطتهم.
بقلم
أبي يوسف مصطفى بن محمد مبرم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
فلا تزال المقالات التي يُشذُّ بها عن مسالك أهل العلم والإيمان، متجددة من أصحابها، يولدها اللاحق من مقالات السابق، شأن البدع في كل عصر ومصر.
يقول قائلهم المستغرق في النكرة: لا يؤخذ العلم إلا من العلماء الكبار، أو عن أشرطتهم، وأما عن المعروفين بالمشايخ، أو حملة الدكتوراه!!! فلا يؤخذ عنهم العلم، وربما سمى شخصًا غير هؤلاء العلماء يتخذ عنده يدًا لمكانته في بلده، مع أن الذي يحيل إليه لم يعرف بطلب، ولا رحلة، ولا ملازمة لأهل العلم، وغاب عنه أو غفل أنه داخل هو والمحال عليه دخولًا أوليًا في تحذيره، وأيضًا من الذي أهله وهو نكرة أن يتكلم بهذا البهتان. وهذا كله باسم السلفية، وصحة المنهج، وسلامة المعتقد.
ولا شك أن هذه مقالة محدثة تفضي بالحط على العلماء، والتشكيك في تعليمهم لطلابهم، وكبت الدعوة السلفية، وتعطيل مجالس العلم، وقطع اتصال أسانيد العلم، وأخذ الآخر عن الأول، وإخلاء الساحة لأهل الجهالات والبدع، ورمي الناشئة في أحضان المبتدعة، وقل ما شئت وراء ذلك.
وهذه المقالة وإن كنت لا أعلم قائلها بعينه، إلا أني رأيت تأثيرها على المقولة له، بل إن هذا القائل وأمثاله جعلوها من وجوه الطعن في إخوانهم من طلاب من يسمونهم من المشايخ وحملة الشهادات.
بأنهم يتلقون العلم ويأخذونه عن الشيخ فلان، والدكتور فلان، وأنهم لا يفهمون المنهج!!، ثم يسمون لهم أبرز طلاب هؤلاء العلماء الذين حملوا علومهم، بل نصحوا بهم وزكوهم، وشاركوهم في دورات، واستفتحوها لهم أو ختموها، وهذا معلوم للقاصي والداني.
ثم إن هذا وأمثاله يسرحون ويمرحون مع من صدقهم بكذبهم، وأعانهم على جهلهم وظلمهم، ومن استخفهم فأطاعوه، بين مجالس لا تعود عليهم بالنفع بل فيها الضرر المحض، أو الغالب.
ووالله ما كنت أحسب أن أكتب في مثل هذا، حتى بلغني اعتداؤهم على إخوانهم، الذين يدرسون على مرأى ومسمع من العلماء، وقد رغبت أن أذكر في هذا المقال على عجالة بعض طرق السلف وآثارهم في تلقي العلم بعضهم عن بعض، على اختلاف طبقاتهم بعد ذكر أصل ذلك في الكتاب والسنة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
“وليس من شرط الأفضل أن لا ينبهه المفضول لأمر من الأمور، فقد قال الهدهد لسليمان: أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ [سورة النمل: 22]، وقد قال موسى للخضر: هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا [الكهف: 66]، والفرق بين موسى والخضر أعظم من الفرق بين عمر وبين أشباهه من الصحابة، ولم يكن هذا بالذي أوجب أن يكون الخضر قريبًا من موسى، فضلًا عن أن يكون مثله، بل الأنبياء المتبعون لموسى، كهارون ويوشع وداود وسليمان وغيرهم، أفضل من الخضر” (1).
وما رواه مسلم عن تميم الداري في خبر الدجال والجساسة (2)، وهذا الحديث معدود في مناقب تميم الداري رضي الله تبارك وتعالى عنه؛ لأن النبي ﷺ روى هذه القصة عنه، قال النووي: “فيه رواية الفاضل عن المفضول، والمتبوع عن تابعه” (3)، وقد تابعه أهل العلم على ذلك.
وفي كتب الحديث – رواية ودراية، وما صنف في أدب الطلب – ما تقر به عين كل سلفي، وتسمل وتنكأ عين كل خلفي.
ففيها رواية الأقران، والمدبج، والأكابر عن الأصاغر، والآباء عن الأبناء، ولا تنتظر أن أشرح لك هذه الأبواب؛ لأنها تثنى لها الركب، لكن سأذكر لك جمل آثار في ذلك تبصرك بطرق سلفك:
قال أيوب بن المتوكل، سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول:
“كان الرجل من أهل العلم، إذا لقي من هو فوقه في العلم، فهو يوم غنيمته سأله وتعلم منه، وإذا لقي من هو دونه في العلم علَّمه وتواضع له، وإذا لقي من هو مثله في العلم ذاكره ودارسه”.
وقال:
“لا يكون إمامًا في العلم من أخذ بالشاذ من العلم، ولا يكون إمامًا في العلم من روى كل ما سمع، ولا يكون إمامًا في العلم من روى عن كل أحد، والحفظ: الإتقان” (4).
وعن عثمان بن أبي شيبة، قال: سمعت وكيعًا، يقول:
“لا يكون الرجل عالمًا حتى يسمع ممن هو أسن منه وممن هو دونه وممن هو مثله” (5).
وروي هذا من قول سفيان بن عيينة، ووكيع بن الجراح، ومحمد بن إسماعيل البخاري (6).
وعن عبد الرزاق، عن معمر، قال:
“دخلت أنا وابن جريج مسجدًا، ومعي ألواح ومعه ألواح، فجعل يكتب عني وأكتب عنه” (7).
وقال ابن عمار:
“أدخل عبد الرحمن بن مهدي في تصنيفه من حديث يحيى بن سعيد ألفي حديث” (8).
وقال أبو بكر الخلال: سمعت إبراهيم الحربي وذاكروه النزول في الأخذ فقال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: وقيل له: مالك على قدره يسمع من نظرائه؟ قال:
“وما عليه، يزداد به علمًا ولم يضره” (9).
وعن أبي عبيد الله المقرئ، بمكة يقول: سمعت جدي، يقول: سمعت سفيان بن عيينة، يقول:
“لا يكون الرجل من أهل الحديث حتى يأخذ عمن فوقه وعمن هو دونه وعمن هو مثله” (10).
وعن أبي بكر بن عياش، قال:
“ربما قال لي عبد الملك بن عمير: يا أبا بكر حدثني” (11).
وعن عبد الرحمن بن مهدي، قال:
“سمع سفيان الثوري مني حديثًا فكتبه” (12).
وعن قتيبة بن سعيد، قال:
“كتبت الحديث مع ابن المبارك وكتبت عنه وكتب عني” (13).
وقال الفضل بن محمد بن عقيل: سمعت أبا حاتم الرازي، يقول: كان عبد الله بن المبارك يكتب عمن دونه، مثل رشدين بن سعد وغيره، فقيل له: يا أبا عبد الرحمن كم تكتب؟ قال: فقال:
“لعل الكلمة التي فيها نجاتي لم تقع إلي” (14).
وقال السخاوي – في شرح قول العراقي:
(وقد روى الكبير عن ذي الصغر… طبقة وسنًا) – قال:
“كرواية كل من الزهري ويحيى بن سعيد الأنصاري عن تلميذهما الإمام الجليل مالك بن أنس، في خلق غيرهما ممن روى عن مالك من شيوخه، بحيث أفردهم الرشيد العطار، في مصنف سماه: «الإعلام بمن حدث عن مالك بن أنس الإمام من مشايخه السادة الأعلام»، … وكرواية أبي القاسم عبيد الله بن أحمد الأزهري – من المتأخرين – في بعض تصانيفه عن تلميذه الحافظ الجليل الخطيب، والخطيب إذ ذاك في عنفوان شبابه وطلبه” (15).
وقال ابن الصلاح:
“ومنها: أن يكون الراوي أكبر من الوجهين جميعًا (16)، وذلك كرواية كثير من العلماء والحفاظ عن أصحابهم وتلامذتهم، كعبد الغني الحافظ في روايته عن محمد بن علي الصوري، وكرواية أبي بكر البرقاني عن أبي بكر الخطيب، وكرواية الخطيب عن أبي نصر بن ماكولا، ونظائر ذلك كثيرة. ويندرج تحت هذا النوع ما يذكر من رواية الصحابي عن التابعي كرواية العبادلة وأبي هريرة وأنس بن مالك ومعاوية بن أبي سفيان وغيرهم من الصحابة عن كعب الأحبار، وكذلك رواية التابعي عن تابع التابعي كما قدمناه من رواية الزهري والأنصاري عن مالك، …الخ” (17).
وقال السخاوي:
“وكذا أخذ التابعين عن أتباعهم كالزهري ويحيى بن سعيد عن مالك، وكعمرو بن دينار وأبي إسحاق السبيعي وهشام بن عروة ويحيى بن أبي كثير عن معمر، وكقتادة والزهري ويحيى بن أبي كثير عن الأوزاعي” (18).
قال ابن الصلاح:
“ومن الفائدة فيه (19) أن لا يتوهم كون المروي عنه أكبر أو أفضل من الراوي، نظرًا إلى أن الأغلب كون المروي عنه كذلك، فيجهل بذلك منزلتهما” (20).
وقال الحافظ السخاوي:
“وهو نوع مهم تدعو لفعله الهمم العلية والأنفس الزكية، ولذا قيل: لا يكون الرجل محدثًا حتى يأخذ عمن فوقه ومثله ودونه، وفائدة ضبطه الخوف من ظن الانقلاب في السند…”،
“والتنويه من الكبير بذكر الصغير، وإلفات الناس إليه في الأخذ عنه” (21).
وقال النووي في كتاب «الإرشاد»:
“النوع الرابع والأربعون: معرفة رواية الآباء عن الأبناء، وللخطيب فيه كتاب، فيه عن العباس عن ابنه الفضل رضي الله عنهما، أن رسول الله ﷺ جمع بين الصلاتين بالمزدلفة. وعن وائل بن داود، عن ابنه بكر، عن الزهري حديثًا. وعن معتمر بن سليمان، قال: حدثني أبي، قال: حدثتني أنت عني، عن أيوب، عن الحسن، قال: «ويح: كلمة رحمة». وهذا طريف يجمع أنواعًا: منها: رواية الأب عن ابنه، ورواية الأكبر عن الأصغر، ورواية التابعي عن تابعه، ورواية ثلاثة تابعيين بعضهم عن بعض، وأنه حدث عن واحد عن نفسه. وهذا في غاية من الحسن، ويبعد أن يوجد مجموع هذا في حديث” (22).
وذكر الحافظ في مقدمة الفتح شيوخ البخاري، وجعلهم طبقات، قال في الأخيرة منها:
“الطبقة الخامسة: قوم في عداد طلبته في السن والإسناد، سمع منهم للفائدة، كعبد الله بن حماد الآملي، وعبد الله بن أبي العاص الخوارزمي، وحسين بن محمد القباني، وغيرهم. وقد روى عنهم أشياء يسيرة، وعمل في الرواية عنهم بما روى عثمان بن أبي شيبة عن وكيع قال: «لا يكون الرجل عالمًا حتى يحدث عمن هو فوقه، وعمن هو مثله، وعمن هو دونه»، وعن البخاري أنه قال: «لا يكون المحدث كاملًا حتى يكتب عمن هو فوقه، وعمن هو مثله، وعمن هو دونه»” (23).
“ومن رواية الأكابر عن الأصاغر نوع طريف، هو رواية صحابي عن تابعي عن صحابي – وإن كان نادرًا – مثل حديث السائب بن يزيد الصحابي، عن عبد الرحمن بن عبد القاري التابعي، عن عمر بن الخطاب، عن النبي ﷺ قال: «من نام عن حزبه أو عن شيء منه فقرأه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كتب له كأنما قرأه من الليل». رواه مسلم في صحيحه (24). ومن مقاصد الأئمة في الرواية عمن دونهم التنويه بذكرهم، ولفت الناس للأخذ عنهم”.
وقد جمع الحافظ العراقي من هذا نحو عشرين حديثًا في شرح الألفية.
قلت: وكلما تقدم من الأدلة، والآثار في مسالك أهل العلم وطلابه، وأخذه وحمله، ويظهر أن هذا القائل وأمثاله لا في عير ولا نفير من العلم وطلبه، فهم أجانب عن العلم وأهله، بل غاية ما يحسنون إلا ما تحسنه الولاة، ولكل ساقطة لاقطة، وقد رأينا عامة هؤلاء حطب الفتن الخراجة، وهشيمها، نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن.
وقد غرروا بمن حولهم بإظهارهم الغيرة على العلماء الكبار، والذب عنهم، وذلك حسن، بل في غاية من الحسن ثم ماذا؟
هجموا على طلابهم فحذروا منهم، تحت الستار نفسه، فيسمون الدكتور فلان، والشيخ فلان، وهؤلاء الذين سموهم تجد الواحد منهم قد لازم العلماء على الجمع والإفراد، ما يزيد على ثلاثين عامًا، وقد تقل عن ذلك، ثم إنهم زادوا على ذلك كلامهم في المفتونين الذين تكلم فيهم أهل العلم، وذلك حسن، كلا بل هو أيضًا في غاية من الحسن، لو خلا من الحشف وسوء الكيلة، أحشفًا وسوء كيلة يا ذا وسوء كيلة ؟
كتبه
أبو يوسف مصطفى بن محمد مبرم
الحادي عشر جمادى الآخر من عام ثلاث وأربعين وأربع مائة وألف من الهجرة
الهوامش
(1) «منهاج السنة النبوية» (6/76).
(2) انظر «صحيح مسلم»: كتاب الفتن وأشراط الساعة، [24] باب قصة الجساسة، رقم (2942).
(3) من شرحه على صحيح مسلم (18/81).
(4) أخرجه ابن أبي خيثمة في «التاريخ الكبير» (1036)، والرامهرمزي في «المحدث الفاصل» (91)، والبيهقي في «المدخل إلى السنن الكبرى» (ص: 376)، والخطيب في «الجامع لأخلاق الراوي» (1325)، وابن عبد البر في «جامع بيان العلم» (1539).
(5) أخرجه الخطيب في «الجامع لأخلاق الراوي» (1654، 1655).
(6) انظر «هدي الساري» لابن حجر (ص 479).
(7) الخطيب في «الجامع لأخلاق الراوي» (1656)، ونحوه (1657).
(8) «الجامع لأخلاق الراوي» (1658). زاد في «تأريخ بغداد» (14/143): “وهو حي، فكان يحدث بها عنه وهو حي”.
(9) «الجامع لأخلاق الراوي» (1659). قلت: والظاهر أن هذا الأثر فات من «الجامع لعلوم الإمام أحمد» لجماعة من الباحثين.
(10) «الجامع لأخلاق الراوي» (1661).
(11) «الجامع لأخلاق الراوي» (1662).
(12) «الجامع لأخلاق الراوي» (1663).
(13) «الجامع لأخلاق الراوي» (1666).
(14) «الجامع لأخلاق الراوي» (1667).
(15) «فتح المغيث بشرح ألفية الحديث» (4/166).
(16) أي من جهة السن والطبقة، ومن جهة القدر والمكانة.
(17) مقدمة ابن الصلاح «معرفة أنواع علوم الحديث» (ص 308).
(18) «فتح المغيث بشرح ألفية الحديث» (4/167).
(19) أي في معرفة: «النوع الحادي والأربعون: معرفة الأكابر الرواة عن الأصاغر».
(20) مقدمة ابن الصلاح «معرفة أنواع علوم الحديث» (ص 307).
(21) «فتح المغيث بشرح ألفية الحديث» (4/165-168).
(22) «إرشاد طالب الحقائق إلى معرفة سنن خير الخلائق» ﷺ (2/632).
(23) «هدي الساري» (1/479).
(24) «صحيح مسلم» (747) – [142].